للمرة الأولى، كُشف في إسرائيل عن عملية تأثير أجنبية منظّمة ومركّزة استهدفت المجتمع العربي بشكل مباشر، ويُرجّح أن تكون قد أُديرت من جهات في إيران. العملية، التي رصدها باحثو منظمة «فايك ريبورتر»، لم تقتصر على نشر مضامين مضللة، بل نجحت في التغلغل داخل الفضاءين الإعلامي والسياسي، وخداع جهات حقيقية، بينها صحافيون، نشطاء، وحزب سياسي عربي–يهودي.

بحسب التحقيق، عملت الشبكة عبر بنية رقمية معقّدة ضمّت مواقع إلكترونية وهمية وحسابات مزيفة على شبكات التواصل الاجتماعي، قُدّمت للجمهور على أنها مبادرات إعلامية أو مدنية مستقلة. وقد ركّزت هذه الحسابات على قضايا حساسة وحاضرة بقوة في النقاش العام داخل المجتمع العربي، مثل الحرب على غزة، هدم المنازل في الضفة الغربية والمثلث، تفشي الجريمة، التمييز السياسي، والعلاقة مع مؤسسات الدولة.

اللافت أن الشبكة لم تبدأ مباشرة باستهداف السياسة الداخلية، بل نشرت في مراحلها الأولى محتوى عن الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، قبل أن تنتقل بشكل متزامن إلى التركيز على قضايا داخلية تخص المواطنين العرب في إسرائيل. هذا التحول المتدرّج، إلى جانب استخدام لغة محلية سلسة ومضامين مصمّمة بعناية، ساهم في بناء ثقة واسعة لدى المتابعين.

الصفحات الرقمية 

التحقيق كشف أن العملية اعتمدت على ثلاثة «كيانات» رقمية مركزية، بدت ظاهريًا مستقلة عن بعضها، لكنها في الواقع كانت تعمل بتنسيق كامل. أبرزها منصة «أهلنا»، التي قدّمت نفسها كتنظيم شبابي عربي–يهودي، ونجحت في جمع نحو 65 ألف متابع، رغم أنها غير موجودة فعليًا على أرض الواقع. هذه المنصة أعادت نشر مواد من وسائل إعلام وحسابات حقيقية، وأضافت إليها شعارها الخاص، وقدّمتها كمحتوى أصلي.

في مرحلة لاحقة، انتقلت الشبكة إلى مستوى أعمق من التأثير، حين أقامت تعاونًا علنيًا مع حزب عربي–يهودي ناشئ، ونشرت معه محتوى مشتركًا على شبكات التواصل. هذا التعاون، الذي تطلّب موافقة متبادلة من الطرفين، منح المنصة الوهمية شرعية عامة، وجعلها تبدو كجزء من الحيز المدني والسياسي الحقيقي. التحقيق أظهر أيضًا أن الشبكة نجحت في إقناع ناشطين بطباعة لافتات تحمل شعارها خلال فعاليات ميدانية، ما شكّل اختراقًا ملموسًا للفضاء العام.

الكيان الرقمي الثاني، «عشان 48»، ظهر كمجلة رقمية سياسية وثقافية، تضم كتّابًا قدموا أنفسهم كباحثين وأكاديميين، لكن تبيّن أن هوياتهم وصورهم أُنتجت باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. بعض حسابات هذه المنصة شُغّلت من دول مختلفة، بينها إيران والصين. وقد نجحت المنصة في خداع وسيلة إعلام عربية مركزية، نشرت مقالات رأي لكتّابها قبل أن تسحبها لاحقًا بعد انكشاف زيفهم.

أما الكيان الثالث، «معًا للوطن»، فكان في بداياته، وركّز على إعادة نشر مواد مترجمة وجمع تفاعل مباشر مع الجمهور عبر تطبيقات المراسلة. تحليل تقني للتواصل مع مشغليه كشف مؤشرات لغوية ورقمية تدل على أن من يقفون خلفه لا يستخدمون لوحة مفاتيح عربية محلية، ما عزّز التقدير بأن مصدر التشغيل خارجي.

تصعيد خطير 

باحثو «فايك ريبورتر» وصفوا ما جرى بأنه تصعيد حقيقي في مستوى التهديدات الرقمية، مشيرين إلى أن خطورة العملية لا تكمن فقط في مصدرها الأجنبي، بل في قدرتها على بناء مصداقية داخلية، والتغلغل في شبكات قائمة، مستفيدة من قضايا حقيقية ومن فجوات رقمية قائمة داخل المجتمع العربي.

وخلص التحقيق إلى أن المجتمع العربي، بوصفه مجموعة أقلية تواجه تحديات بنيوية وإعلامية، بات أكثر عرضة لمحاولات التلاعب الخارجي. ودعا الباحثون إلى تعزيز الوعي العام، وتطوير أدوات تحقق ورصد مستقلة باللغة العربية، وبناء مناعة رقمية قادرة على حماية النقاش العام من التدخلات الأجنبية المموّهة.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
bokra.editor@gmail.com