إعداد: الشيخ أمير نفار – عضو حركة الدعوة والإصلاح
في لحظة من الغفلة التاريخية، استيقظت البشرية على صرير حضارة غربية تحسن الصياغة في مواطن، لكنها تفسد المعنى، حضارة تجيد نحت القيم في قوالب مشرقة، لكنها تزرع خلف الواجهات الملساء مفاهيم جوفاء، ترسّخ الفردانية، وتؤسطر الشهوة، وتقنن الانفصال عن السماء تحت شعارات الحقوق والحريات، حضارة تسوّق الإنسان كمرجع نهائي، وتنزع القداسة عن الوحي... الحضارة الغربية اليوم تراكم أدوات، لا قيمًا، تنتج عجلة لا معنى، وتقدّم الإنسان كآلةٍ يُغذى بالرغبة، ويقاس بالمنفعة، ويُساق بلا مبدأ، فكلّما ارتفعت الأبراج، تسافل الإنسان، وكلّما انفتحت أبواب الاستهلاك، انغلق باب السكينة، أنتجت هذه الحضارة إنسانًا لا يفتقر إلى المعلومة، بل يفتقر إلى مرجعية تصوغ له موقعه الحقيقي ووظيفته، مشكلته ليست في الجهل الخالص، بل في امتلاء مضطرب بالمعرفة، معرفة بلا ترتيب، بلا معيار، لقد أصبح العقل الحديث مستودعًا مفتوحًا يستقبل كل شيء... لقد رأى الإنسان الحديث كل شيء، وفقد كل شيء.
وفي ظل هذا الانقلاب الشامل، تذوب الأسئلة الكبرى: من أنا؟ لماذا ولدت؟ إلى أين المصير؟ ويُستبدل بها سؤال أكثر توحشًا: ماذا أستهلك؟ وماذا أجرّب؟ ، وتُختزل الأسئلة العميقة في إجابات قصيرة.
فمهما ألبست هذه الحضارة من حُلل البيان، ومهما توسّلت بالمؤسسات والمنظمات والمواثيق، فإن جوهرها يظلّ مأزومًا، لأنها ببساطة قامت على الإعراض، وانطلقت من منطلق "مركزية الإنسان في الوجود ".
وأمام هذه الحضارة المأزومة، نرى حضارة، نورها يخترق كثافة الحجب، وروحها تقتحم خلف خطوط المادة الصمّاء، تُهيئ الإنسان ليصبح خلقًا آخر، فقد " دأب الله عز وجل مع عباده المصطَفين المجتَبين أن يقطعهم عن الكل ويبتليهم بأنواع البلايا والآفات والمحن، ويضيق عليهم الدنيا والآخرة وما تحت العرش إلى الثرى، يُفني بذلك وجودهم حتى إذا أفنى وجودهم، أوجدهم له لا لغيره، أقامهم معه لا مع غيره، يُنشئهم خلقًا آخر كما قال الله تعالى: { ثم أنشأناه خلقًا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين } سورة المؤمنون آية 14،الخلق الأول مشترك ( مع سائر بني آدم )، وهذا الخلق مفرد، يفرده عن إخوانه وأبناء جنسه من بني آدم، يغيّر معناه الأول ويبدّله، يصيّر عاليَه سافله، يصير ربانيًا..."
وقد خاف علينا ابن القيم رحمه الله أن لا نصدق هذا التحويل فقال: "وما أظنك تصدق بهذا، وأنه يصير له وجود آخر، وتقول: خيال ووهم!، فلا تعجل بإنكار ما لم تحط بعلمه، فضلًا عن تذوق حاله، وأعط القوس باريها، وخلّ المطايا وحاديها".
وفي محاولة لتقريب النموذج المنشود، أطلق البشير الإبراهيمي لعقله العنان ولقلبه الآفاق لتصوير نتاج التربية المنشودة فقال: " أتمثّله متساميًا إلى معالي الحياة، عربيدَ الشباب في طلبها، طاغيًا عن القيود العائقة دونها، جامحًا عن الأعنَّة الكابحة في ميدانها، متَّقد العزمات، تكاد تحتدم جوانبه من ذكاء القلب، وشهامة الفؤاد، ونشاط الجوارح.
أتمثَّله مقدامًا على العظائم في غير تهوّر، محجامًا عن الصغائر في غير جبن، مقدّرًا موقع الرجل قبل الخطو، جاعلًا أول الفكر آخر العمل.
أتمثّله واسع الوجود، لا تقف أمامه الحدود، يرى كل عربي أخًا له، أخوّةَ الدم، وكلَّ مسلم أخًا له، أخوّة الدين، وكل بشر أخًا له، أخوّة الإنسانية، ثم يُعطي لكل أخوّة حقّها فضلًا أو عدلًا.
أتمثّله حِلْفَ عمل، لا حليف بطالة، وحلس معمل، لا حلس مقهى، وبطل أعمال، لا ماضغ أقوال، ومرتاد حقيقة، لا رائد خيال.
أتمثّله برًّا "بالبداوة" التي أخرجت من أجداده أبطالًا، مزورًّا عن الحضارة التي (رمته بقشورها)، فأرخت أعصابه، وأنّثت شمائله، وخنّثت طباعه، وقيّدته بخيوط الوهم، ومجّت في نبعه الطاهر السموم، وأذهبت منه ما يُذهب القفص من الأسد من بأس وصولة.
أتمثّله مقبلًا على العلم والمعرفة ليعمل الخير والنفع، إقبال النحل على الأزهار والثمار لتصنع الشهد والشمع، مقبلًا على الارتزاق، إقبال النمل تجدُّ لتجِدَ، وتدَّخر لتفتخر، ولا تبالي ما دامت دائبة، أن ترجع مرة منجحة ومرة خائبة".
هذه الإشارات تحمل في طياتها ما يجعل "التحول" والصحوة تتجاوز لحظات ندم سرعان ما تخبو جذوتها، ولكنها كلمات تجعل من الدعوة والإصلاح مشروع أمة وبرنامج حياة.
والله الموفق.
bokra.editor@gmail.com
أضف تعليق