أثار تصريح رئيس المحكمة العليا السابق، القاضي أهرون باراك، في الكلمة التي ألقاها مساء يوم السبت (3 كانون الثاني/يناير 2026)، خلال مظاهرة احتجاجية أُقيمت في تل أبيب ضد مخططات الحكومة لتنفيذ ما سُمّي بـ«الانقلاب القضائي»، اهتمامًا واسعًا وردود فعل متباينة من مختلف الأطراف الفاعلة. وقد ركّزت وسائل الإعلام على مقولتين مركزيتين في خطاب باراك، هما: «لم تعد إسرائيل ديمقراطية ليبرالية»، و«في إسرائيل يوجد نظام حكم الرجل الواحد». كما حذّر باراك من أن «المحكمة لا تستطيع وحدها منع الانقلاب القضائي، فالشعب وحده يقف في مركز الديمقراطية الليبرالية، وهو القادر على وقف هذا التردّي».



جاء اعتراف القاضي باراك بأن إسرائيل لم تعد ديمقراطية ليبرالية متأخرًا جدًا؛ فمنذ أكثر من ثلاثة عقود يدور نقاش جدي وعميق حول طبيعة النظام السياسي في إسرائيل. وخلال هذه السنوات، كان باراك، إلى جانب قطاعات واسعة من النخب الإسرائيلية، يؤكدون أن إسرائيل دولة ديمقراطية ليبرالية، في مقابل توجّهات عدد كبير من الباحثين والأكاديميين النقديين الذين رفضوا هذا التعريف، واقترحوا توصيفات بديلة.


فقد ذهب البروفيسور سامي سموحة إلى اعتبار إسرائيل «ديمقراطية إثنية»، أي دولة ديمقراطية شكليًا، لكنها تميّز بنيويًا ضد المجتمع العربي. في حين وصفها البروفيسور بيني نيربرغر بأنها «ديمقراطية مع بقع»، في إشارة إلى أن غياب عدد من الأسس الجوهرية للنظام الديمقراطي يشكّل بقعًا سوداء في بنيته.



غير أن المقال المركزي والأكثر عمقًا في هذا السياق هو ذاك الذي كتبه كلٌّ من البروفيسور أسعد غانم، والبروفيسور نديم روحانا، والبروفيسور أورن يفتحئيل، حيث رفضوا فيه تعريف إسرائيل كدولة ديمقراطية، انطلاقًا من كونها تعرّف نفسها كدولة يهودية، وتقيم نظامًا إقصائيًا تجاه أقلية كبيرة وأصلانية في وطنها، وتمارس الاحتلال، وتُخضع مواطنيها لنظام تمييز تراتبي، تقع فيه جماعة المؤسسين في رأس الهرم(الإشكناز)، يليها المهاجرون من الدول العربية والإسلامية( اليهود الشرقيين)، وفي أسفله المجتمع الأصلاني صاحب البلاد( الفلسطينيون). ويُضاف إلى ذلك غياب دستور للدولة، وعدم وجود حدود سياسية واضحة، ما يجعلها، وفق هذا التحليل، نظامًا «إثنوقراطيًا» لا ديمقراطيًا؛ أي نظامًا يرتكز على الـ ethnos (الإثنية) لا على الـ demos (الشعب)، والمقصود بالشعب هنا هو مجموع المواطنين، لا الأغلبية الحاكمة.



جاءت تصريحات أهرون باراك القوية، بحسب الخطاب الإسرائيلي السائد، بمناسبة مرور ثلاث سنوات على إعلان وزير القضاء يريف لفين عن خطة «الانقلاب القضائي».


ومع ذلك، فإن الجهاز القضائي في إسرائيل، ومنذ سنوات طويلة، وقبل الإعلان عن خطة لفين، ساهم في تكريس هيمنة الأغلبية وتعميق النظام الإثنوقراطي، وفي حصر مفهوم «الشعب» بالمجتمع اليهودي، لا بجميع المواطنين.


وقد أشرنا مرارًا إلى أن الجهاز القضائي في إسرائيل خدم، تاريخيًا، الغايات الكبرى للدولة اليهودية. ففي كل ما يتصل بحقوق الشعب الفلسطيني عمومًا، وبحقوق المجتمع الفلسطيني في الداخل على وجه الخصوص، لم تُحدث المحكمة العليا تغييرات جوهرية أو بنيوية؛ بل على العكس، صادقت في السنوات الأخيرة على العديد من القوانين العنصرية، مثل: قانون أساس – القومية، وقانون التجمعات السكانية، وقانون النكبة، وقانون منع لمّ الشمل، وغيرها. كما منحت، منذ عام 1967، شرعية قانونية للاحتلال وممارساته، بما في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر: جدار الفصل العنصري، وسياسات الاستيطان، وهدم المنازل، والاعتقالات، ومصادرة الأراضي.

إضافة إلى ذلك، كان للمحكمة دورٌ فاعلٌ في مساندة أذرع الدولة المختلفة خلال حرب الإبادة الجماعية الأخيرة على قطاع غزة، وهو ما أقرّت به وكشفته أيضًا بعض المنظمات الحقوقية الإسرائيلية، مثل «بتسيلم» و«أطباء من أجل حقوق الإنسان».

ومن الأمور الجديرة بالذِّكر أن النظام القانوني الإسرائيلي تعامل مع المستوطنين اليهود في الأراضي الفلسطينية المحتلة كمواطنين إسرائيليين متساوي الحقوق، بخلاف الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال.
وبمعنى أدق، فإن النظام السياسي الإسرائيلي هو الحاكم وصاحب السيادة الوحيد في كامل «فلسطين التاريخية»، لكنه ينفّذ سياسات مختلفة تجاه مواطنين ومناطق مختلفة بناءً على الانتماء القومي، الأمر الذي ولّد نظام فصل عنصري، كما يؤكد البروفيسور عدي أوفير وآخرون.


ومع ذلك، فإن الخطوات التي تنوي الحكومة الحالية تنفيذها تذهب أبعد من كل ما سبق، إذ تعمل على إضعاف الجهاز القضائي بصورة غير مسبوقة، وفي المقابل تمنح قوة مفرطة للحكومة والكنيست. وفي ظل غياب دستور، وعدم وجود أكثر من مجلس منتخب، تسعى هذه الخطة إلى تركيز السلطة في يد الحكومة، التي يهيمن عليها ويتحكّم بمسارها بنيامين نتنياهو، والتي تسيطر في الوقت ذاته على البرلمان وتسعى إلى إخضاع الجهاز القضائي. ويشكّل ذلك مسًّا خطيرًا بمبدأ التوازن بين السلطات، وبمكانة الأقليات، وحقوق الإنسان، ونزاهة الحكم، واستقلالية القضاء، وثقة الجمهور به.
كما تؤدي هذه الخطوات إلى تسييس تعيين القضاة وتهديد الجهاز القضائي برمّته. وإضافة إلى ذلك، تمسّ هذه السياسات بحقوق المجتمع الفلسطيني في الداخل، الذي يجد في المحكمة العليا، في كثير من الأحيان، الملاذ الأخير لعرض مظالمه، ليس فقط أملًا في الإنصاف القضائي، بل أيضًا بوصفها ساحة لفضح انتهاكات حقوق الشعب الفلسطيني، وأداة لرفع الوعي المحلي والدولي بطابعها المنهجي والمتواصل.


إن من يسعى حقًا إلى منع تردّي النظام السياسي في إسرائيل، وإلى تأسيس نظام ديمقراطي فعلي وحقيقي، لا يمكنه الاكتفاء بالدفاع عن امتيازات المجموعة المهيمنة داخل المجتمع اليهودي، بل عليه العمل على إزالة المعيقات الفكرية والسياسية والأيديولوجية والاستعلائية، وتأسيس ديمقراطية جوهرية تشمل جميع المواطنين، وتضمن لهم حقوقًا متساوية، فردية وجماعية، مدنية وقومية، في منطقة جغرافية معروفة، وتنهي نظام الاحتلال. فنحن لا  نعيش في نظام حكم "شخص واحد فقط" كما يقول براك، بل نظام حكم واحد يقوده شخص واحد وشعب واحد، يحكم شعبين في أرض واحدة—إسرائيل/فلسطين—بصورة تتفاوت بها المكانة القانونية والحقوق بحسب الانتماء القومي والجغرافيا.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
bokra.editor@gmail.com