هددت الشرطة التابعة لوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بإغلاق المركز الجماهيري في بلدة البعنة، إذا ما تم عرض فيلم “جنين جنين” للممثل والمخرج الفلسطيني الراحل محمد بكري، في تمام الساعة الثامنة من مساء اليوم.
وأبلغت الشرطة إدارة المركز أنها ستصل إلى المكان في الموعد المحدد للتأكد من عدم عرض الفيلم، في خطوة اعتبرها منظمو الفعالية تصعيدًا مباشرًا ضد حرية التعبير والعمل الثقافي داخل المجتمع العربي.
وكان المركز الجماهيري في البعنة قد أعلن مسبقًا عن “أسبوع عروض محمد بكري”، لعرض أعماله السينمائية، ضمن برنامج تكريمي بعد رحيله مؤخرًا عن عمر 72 عامًا.
وفي تعليق لعائلة بكري، قال نجله الفنان صالح بكري إن حظر فيلم “جنين جنين” استمر نحو 20 عامًا عبر مسار قضائي ومحاكم طويلة، لكن “اليوم يتم منع عرض الفيلم بقرار سياسي مباشر من بن غفير”، معتبرًا ذلك مؤشرًا على انتقال الحظر من ساحة القضاء إلى قرارات فورية تمس الفضاء الثقافي بشكل علني.
السينما موقفًا
ويأتي هذا التطور في وقت يتجدد فيه الجدل حول إرث محمد بكري الفني والسياسي، خصوصًا بعد وفاته الأسبوع الماضي في أحد مستشفيات الشمال. فقد كان بكري طوال مسيرته نموذجًا لفنان يرى في السينما موقفًا لا يمكن فصله عن الواقع، وكان يؤكد أن الفن في فلسطين لا يملك رفاهية الحياد، وأن الكاميرا تصبح واجبًا حين تقع الجريمة أمامك.
ويُعد فيلم “جنين جنين” الذي أنجزه عام 2002 أبرز محطات هذه المسيرة، إذ وثّق شهادات من سكان مخيم جنين بعد الاجتياح الإسرائيلي في أبريل 2002 خلال “عملية الدرع الواقية”. وعلى الرغم من أن الفيلم لم يقدم نفسه كعمل جمالي متقن بقدر ما كان صرخة مباشرة، إلا أنه أدخل بكري في سنوات من الملاحقات، شملت منعًا رقابيًا وحملات تشويه واتهامات سياسية ومحاكمات طويلة، إضافة إلى دعاوى تعويضات رفعها جنود إسرائيليون بحجة أن الفيلم أساء إليهم.
لكن ما كان يكرره بكري، وفق مقربين منه، أن الألم الأكبر لم يكن فقط في المحاكم الإسرائيلية، بل في صمت المحيط العربي وخذلانه، في وقت كانت فيه إسرائيل تجند جهودًا واسعة لمنع عرض الفيلم عالميًا.
وبينما يعيد قرار الشرطة في البعنة فتح ملف الفيلم من جديد، يرى ناشطون أن ما يجري لا يتعلق بفيلم وثائقي فحسب، بل بمحاولة لإغلاق المجال العام ومنع المجتمع العربي من سرد روايته عبر أدواته الثقافية، خصوصًا عندما تكون هذه الرواية صادرة عن فنان مثل محمد بكري الذي ظل حتى آخر أيامه مقتنعًا بأن ثمن الصمت أعلى من الكلام، وأنه لو عاد إلى الحياة لفعل الشيء نفسه وأنتج “جنين جنين” من جديد.
bokra.editor@gmail.com
أضف تعليق